وجهة نظرك-سياسي

تنقية جداول نقابة المحامين..بداية عودة الروح

شرح الفرق بين المحام المشتغل والغير مشتغل

مر أكثر من عامين على مشروع”تنقية جداول نقابة المحامين”, اهتم به كل محام مشتغل بمهنة المحاماة، كل محام يبدأ يومه في محكمة ما أو نيابة أو قسم شرطة، وينهيه فى مكتبه, منكب على مصالح الناس وقضاياهم، يفتك بعقله, إن لم يجد لهم الحل، ويضغط على أعصابه وجميع من حوله مع كل حكم البراءة أو الإدانة، مع كل قضية تضيف لأسمه أو تأخذ منه، هذا المشروع هو أن تكون المحاماة لمن يصونها، أن تكون المحاماة لمن يعمل بها ويذوق متاعبها وضغوطاتها قبل أن يرتوي بخيرها، هو تنقية جداول نقابة المحامين. 

أريد أن استرعى انتباهكم معى لأوضح لكم ما الفرق بين المحامى المشتغل بالمهنة فعليا وماديا ومعنويا، وبين غير المشتغل – من يحمل فقط كارنية المحاماة كوجاهة او حماية او تحت الطلب – والأمر ببساطة كما سوف أشرحه لحضراتكم.
أولا : المحام المشتغل والغير مشتغل:
المحام المشتغل: هو المحام الذى يحمل كارنيه محاماة مقيد بجدول المشتغلين، يعمل بمكتب محام او لديه مكتبه الخاص الذى يمارس من خلاله عمله فى قبول القضايا والعمل بها ليلا نهارا والحضور امام المحاكم والنيابات واقسام ومراكز الشرطة والخبراء والإدارات الأخرى والمصالح الحكومية وغيرها مما تفرضه ظروف كل قضية.
المحام غير المشتغل: هو المحام المنتسب أسما فقط لنقابة المحامين ومقيد بجدول غير المشتغلين، ولكن لا يعمل بمهنة المحاماة ولا يمارسها، وفى كثير من الاحوال يكون ممتهن لعمل أخر أو وظيفة أخرى غير مهنة المحاماة .
ثانيا : ماذا يقدم المحام المشتغل لا يقدمه الغير مشتغل :
المحام المشتغل : لا يعمل بأى اعمال اخرى سوى مهنة المحاماة، يعمل كل أيام الاسبوع صباحا من الساعة السابعة بدون ميعاد محدد للعودة لبيته فقد يعود بعد الظهر أو الساعة الثانية او الرابعة عصرا متنقلا بين حضور جلسه فى محكمة كذا، ليحضر تحقيق امام نيابة كذا، لينهى عمل إدارى او استخراج أوراق او التقديم على أوراق من داخل او خارج المحكمة او محاكم ونيابات فى أماكن أخرى، ليكمل عمله مرة أخرى بمكتبه الذى يبدأ العمل فيه من الساعة السادسة مساءا، وايضا بلا موعد محدد للعودة ليلا فقد يعود فى موعد المكتب الذى حدده هو مثلا الساعة العاشرة مساءا او الساعة الثانية عشر صباحا.
وقد يكون لديه موكلين او قضايا يراجعها واوراق يجهزها فيظل بمكتبه حتى بداية اليوم الثانى ليستيقظ باكرا بعدها ليعيد الكرة يوما بعد يوم، فتترواح ساعات عمله ما بين المحاكم وغيرها صباحا ومكتبه مساءا واحيانا فى العرض المسائى بالنيابات والاقسام ومراكز الشرطة لما يصل لأكثر من 16 ساعة وفى كثير من الاوقات تصل إلى 18 و20 ساعة عمل فى اليوم بلا مبالغة، ولا يحصل إلا على مساء الخميس وصباح الجمعة كأجازة وفى كثير من الاوقات ايضا تضيع فى العمل المفاجئ والظروف الاستثنائية .
ولا يخفى على أحد ما يحدث مع المحامى الذى يتعامل مع جميع فئات المجتمع التى تبدأ من الموكل ( صاحب القضية ) مرورا بزملائه المحامين والقضاة والمستشارين وورئساء ومديرى ووكلاء النيابة وموظفى المحكمة وموظفى النيابة ، وضباط الشرطة وامناء وعساكر الشرطة، وموظفى المصالح الحكومية وغير الحكومية المختلفة، وما يتعرض له من ضغوط المحافظة على كرامته ومكانته وهو يتعامل مع كل من سبق ذكرهم ، وبين مصالح الموكل ( صاحب القضية ) فيضر فى وقت للمهادنة وان يأتى على حقه الشخصى لمصلحة انهاء بعض الاجراءات أو ان ينتظر بالساعات او يتقبل بعض السخافات او الضغوط او المعاملة غير اللائقة وكثير وكثير من اجل مصلحة الموكل ( صاحب القضية )، وهى موازنة صعبة للغاية ان تحافظ على كرامتك وفى نفس الوقت تسطيع ان تنهى عملك .
وحينما يعود لمكتبه يجد الموكلين ومناقشاتهم واقناعهم وأسألتهم التى لا تنتهى حتى عن نفس الشئ المسئول عنه مسبقا، ومراجعة اعمال اليوم الفائت وتجهيز اعمال الغد ، ومذاكرة القضايا، وإدارة المكتب والعمل بالمحكمة وكثير من الاعمال التى حقا لا تنتهى والتى تزيد يوم بعد يوم كلما كبر المحامى وكبر أسمه واتس انتشاره وثقة الناس به.
وهناك كثير من الامور الدقيقة التى لا يسعها مقال واحد لشرحها لتصل لحضراتكم ، وهذا طبعا بخلاف المشاكل والخلافات التى تحدث بينه وبين كل من سبق وبينه وبين موكله نفسه التى قد تتور فى كثير من الاحيان لتصل إلى قضايا ما بين المحامى وموكليه 
وكثيرا ايضا ما يتعرض المحام للمسائلة القانونية وما اكبر من هذا من ضغط يمارس على المحام ويتعرض له إن ذهب عنه تركيزه، او اهمل او تهاون، فقد يجد نفسه متهما ومحكوما عليه بدون ذنب، فيكون طوال الوقت مهدد فى الوقت الذى يسعى لإرجاع الحقوق لموكليه .
المحام غير المشتغل : لا يتعرض لاى شئ مما سبق ذكره او لم يتم ذكره، لأنه ببساطة شديدة لا يمارس مهنة المحاماة ولا يعمل بها، يعمل بمهنة أخرى كالتجارة او يكون صاحب محل او او كافيه او يكون موظف بمصلحة حكومية او غير حكومية او غيرها من الوظائف او المهن الأخرى غير المحاماة ، فلا يتحمل ما سبق ذكره ولا يرى منه شئ، وما يثير السخرية بشأن هذا الموضوع، ان ما سبق ذكره من مصاعب ومتاعب وعوائق يتعرض لها المحام المشتغل هى نفسها من جعلت المحام غير المشتغل يهرب من المهنة ويستسهل الأمور بالعمل خارج مهنة المحاماة .
ثالثا : ماذا يقدم المحام المشتغل ماديا لا يتقدمه الغير مشتغل:
المحام المشتغل: بخلاف الجهد العضلى والعصبى والنفسى الذى يتكبده من جراء صعوبة المهنة وضغوطاتها وشقائها، عدد معى ما يقدمه المحام المشتغل لمهنة المحاماة وايضا للضرائب ولغيرها من المصالح، فما يقدمه المحام المشتغل يبدأ من الاشتراك السنوى الذى يقوم بسداده المحام المشتغل للنقابة عن كل سنة سقضياه داخل جدران المهنة ، بخلاف ما يقدمه من أشتراك للبطاقة العلاجية، مرورا بما يقدمه المحام المشتغل من دمغات يسددها اموال للنقابة ويأخذا ورق كالطوابع يضعه على كل ورقة يقدمها للمحكمة فتزيد بزيادة اعمال المحام ، فكل ورقة تقدم للمحكمة كرفع قضية او حضور تحقيق او حضور جلسة او عمل معارضة او استئناف او معارضة استئنافية او نقض .. ألخ.
كل عمل يسدد عنه دمغة الورقة الواحدة قيمتها خمسة جنيهات، وكل عمل من الاعمال السابقة وغيرها يتراوح ما تحتاجه من ورقة حتى 20 ورقة وذلك عن العمل الواحد، فلو حسبنها بحسبة بسيطة سنجد ان اقل محام يقدم للنقابة سنويا مبلغ يتراوح ما بين 500 جنيه إلى 1000 جنيه دمغات، وهناك من المحامين من يقدم فى العام الواحد للنقابة أكثر من 3000 جنيه فى العام الواحد من جراء شراء الدمغات وهذا امر قانونى مفروض على الجميع .
وكل قضية ترفع للمحكمة من قبل المحام المشتغل يسدد عنها فى نهايتها مبالغ تسمى اتعاب محاماة، تبدأ من 50 جنيها حتى تتعدى 100 جنيه، فلو حسبنها بحسبة بسيطة ايضا سنجد ان اقل محام عملا لو لديه فى العام الواحد حوالى 30 قضية فقط وهو رقم ضعيف جدا بالنسبة لاى محام مشتغل، سنجد انه يدخل للنقابة اكثر من 2000 جنيه فى العام الواحد، وان هناك محامين يدخلون للنقابة فى العام اكثر من 5000 جنيه كأتعاب محاماة بدون مبالغة .
وايضا دخول كثير يدخلها المحام المشتغل للنقابة من جراء عمله بالمهنة والتزامه بها فقط ، من توثيق العقود وغيرها من الاعمال التى تدر دخلا لنقابة المحامين السبب الاول فيه هو المحام المشتغل ، فالمهنة حرة والنقابة مستقلة عن الدولة فمصدرها الاول والاخير من الاموال هو المحام المشتغل .
فنجد بهذه الحسبة البسيطة غير الدقيقة ان المحام يدخل لنقابة المحامين سنويا ما يتراوح بين 3000 جنيه وحتى 15000 جنيه واكثر من ذلك ، من عمله بمهنة المحاماة ، وكونه محام مشتغل يشكل جزء من كل وهى نقابة المحامين.
المحام الغير مشتغل:
ببساطة شديدة ايضا هو لا يقوم بإدخال أى مبالغ سوى الاشتراك السنوى والبسيط الذى يقوم بسداده ليقوم بتجديد الكارينة ، فلا دكغات ولا اتعاب محاماة ولا رسوم ولا اى شئ سوى ذلك ، لانه ببساطة لا يعمل بالمهنة.
رابعا: ما يقدمه المحام المشتغل معنويا لا يقدمه المحام غير المشتغل:
فى جملة واحدة عليكم انتم ان تفسروها، من أين يأتى الدعم المعنوى للنقابة او لاى مهنة او اى عمل أخرى ، ممن يتواجد كل يوم تحت أسقف المحاكم والنيابات وغيرها كما ذكرنا سابقا ، ويتحمل مهمة الدفاع عن الناس وعن النقابة وعن الحق من قبلهم وعن الجميع ، ويتحمل مهمة القضايا المصيرية والقومية، ام من يعمل بمهنة أخرى أو عمل أخرى لا يمت بصلة لمهنة المحاماة .
خامسا : ما يتحمله المحام المشتغل لا يتحمله الغير مشتغل :
المحام المشتغل:
 ان يكون لديه وسيلة نقل خاصة به، لكثرة التنقلات وخصوصا المفاجئة منها فقد يخرج من بيته او مكتب او مقر عمله فى اى وقت ، وإن لم توجد هذه الوسيلة فعليه ان يستبدلها بمواصلة لائقة كالتاكس مثلا، فتخيل كم المشاوير والتنقالات فى اليوم الواحد فلو كان صاحب سيارة عليه ان يدفع اكثر من 600 جنيه شهيرا بالمتوسط، وعليه ان ينفق اكثر من 1000 جنيه ان كان يستخدم المواصلات، وكل هذا داخل المركز بمحافظته، فالتنقل بين المراكز والمحافظات بما يتخلله من مصاريف اخرى يتخى بكثير تلك الارقام .
فضلا عن مظهره اللائق الذى هو سبب فى نظرة الاخرين له باحترام ام لا، الذى هو سبب فى ثقة الاخرين به ، الذى هو سبب فى نجاحه بجانب العوامل الاخرى المهمة أيضا ، فيحتاج لاكث من نوع من الملابس من القدم للرآس، فيحتاج بدل بقمصانه بكرفتاتها بأحذيتها وكذا وكذا فى السنة بما لا يقل عن 2000 جنيه وهذا اقل القليل ، ويحتاج من الملابس العادية الخاصة بالخروج أكثر من المبلغ السابق، ويحتاج من ملابس المنزل ايضا وغيرها، وهذا طبعا فضلا عن كونه رب أسرة او لا فتزيد الفاتورة ، فليس مظهره فقط المهم بل باقى اسرته ايضا على نحو مساوى .
ونأتى لمكتبه وما يحتاج من إيجار ومرتبات سكرتارية ومحامين بالمكتب ومصريف المكتب من كهرباء ومياه ومشروبات ونظافة، بخلاف تطوير المكتب ايضا من وقت لأخر، فبحسبة بسيط ايضا لمكتب محام مبتدئ، يحتاج لايجار مكتب فى هذه الظروف لا يقل عن 600 جنيه وسكرتارية لا تقل عن 500 جنيه ، وكهرباء ومياه.. إلخ لا تقل عن 200 جنيه، بخلاف فاتورة تليفوناته ومهمات العمل من اقلام واوراق وملفات وحوافظ وغيرها التى لا تقل عن 200 جنيه وكل هذا بالشهر الواحد.
فنجد ان اصغر مكتب يحتاج شهريا لمبلغ لا يقل عن 1200 جنيه شهريا وتصل فى بعض المكاتب إلى 6000 جنيه شهريا.
فكل ما يتكبده المحام المشتغل مما سبق ويتحمل عبئه المادى ، معه العلم ان يعمل ولديه شغل يدر له دخل من عدمه وهذا الامر بأرزاق يوزعها رب العزة والجلال وحده فنجد ان اصغر محام ملتزم شهريا بما لا يقل عن 3000 جنيه مصاريف ، هل سمعتم الكلمة، نعم مصاريف، فماذا كسب طوال الشهر ليدفع هذا المبلغ منه ، ولا يغركم ما تسمعونه عن المحامين واتعابهم، فليس الجميع يحصل على اتعاب واحدة، فكل محام يقدر نفسه وخبرته واسمه بالطريقة التى يراها مناسبة ، وفى النهاية الموكل صاحب القرار فى ان يوكل هذا الزميل او ذاك .
المحام غير المشتغل : ببساطة لا ينفق ولا جنيه واحد على كل ما سبق لانه ايضا لا يعمل بالمهنة فلا يحتاج لكل هذه التنقلات التى يتنقلها المحام المشتغل من اجل انهاء عمله، ولا ينفق فى ايجار مكتب باحتياجاته، ولا يعطى رواتب ولا اى شئ مما سبق تحتاجه مهنة المحاماة، لان لا يعمل بالمهنة ولا يذوق صعوباتها ومشاكلها المادية والمعنوية والفعلية ، ولكنه ان كان يعمل بهمنة او وظيفة اخرى فله مرتب كغيره من الناس يصله كل اخر شهر، فى الوقت الذى يأتى على المحام المشتغل اوقات لا يدخل مكتبه جنيه واحد.
سادسا: لماذا هذا الصراع.. ولماذا الاستماتة من قبل المحامين غير المشتغلين ؟
لانه وببساطة يدفع مبالغ تافهه فى السنة كقيمة اشتراك وبطاقة علاجية لا تتعدى الـ 500 جنيه فى السانة الواحدة ، ويحصل على امتيازات ومكاسب من النقابة تبدأ من الدعم على الملابس والرحلات والمصايف وتنتهى بالبطاقة العلاجية التى يصل الدعم فيها سنويا ل20 الف جنيه للمحامى، فضلا عن الدعم المعنوى، إذا قبض على أحد افراد أسرته فالباشا محامى ، إذا مر من كمين فالباشا محامى، إذا دخل مصلحة حكومية او غير حكومية فالباشا محامى، إذا عرف نفسه بأحد فالباشا محامى وغيرها من المواقف ، إذا دخل أحد منزله فالباشا محامى …. إلخ.
وجاهه اجتماعية، ومكانة فى المجتمع ، وهيبة تستمد من عراقة المهنة وقوتها المستمدة من موقع الدفاع، واختلاط المشتغل بالغير مشتغل واختلاط الحقوق والواجبات وضياع المبادئ والقواعد ، جعل اغلب الناس يقولون جمل تعبر عن واقع المهنة المرير الذى لا يتذوقه غير من يعمل بالمهنة، فتدهورت احوال النقابة ماديا ومعنويا وتراجعت مكانتها بين الناس .
فلا تقليل من أحد ولكن الحق يقال ، فما شعورك وان تستقل تاكس او ميكروباص وتجد سائقه يحمل كارينه كما تحمل انت ، ما بالك ان يكون هناك تاجر مخدرات يحمل كارينه كما تحمل انت ، ان يكون بائع بسوبر ماركت او غير يحمل كارينه كما تحمل انت، والامر ليس متوقف على مهنة المحاماة ، فالامر ايضا كمعلم او مهندس او طبيب او ضابط او وكيل نيابة .. إلخ .
فكيف نكسب الثقة والاحترام والتقدير بهذا الشكل ، فالامر بسيط ، فلكل مهنة او عمل متاعب ومكاسب ، منافع واضرار، حقوق وواجبات، وعليك انت تختار، لا يمكن ان تحصل على المنافع فقط وتترك لنا الاضرار، ولا يمكن ان تأخذ الحقوق فقط وتترك لنا الواجبات، إذا اردت ان تكون محام اهلا بك تتحمل ما نتحمل وتحصل على ما نحصل، إن لم تريد ان تكون محام.
فنحن ايضا لن نسمح بوجودك اسما فقط فى جداول مملوئة بالاسماء لا تعرف مهنة المحاماة إلا وقت المصلحة ، اسماء اغرقت المهنة وأخرتها وعطلتها وحطت من قدرها ومكانتها وامكانياتها.
لما سبق وأكثر علينا ان نقف مع مهنة المحاماة التى لو عادت لمكانتها، لعادت الحقوق لأصحابها، ولو تدهورت حالتها وحط من قدرها، لن نرى العدالة مرة أخرى.
عبدالله القاضى
محامي

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق